مجموعة مؤلفين
189
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
وبعد ذلك يرتحل إلى حلب فيقيم بها ردحا من الزمن معززا مكرما من أميرها . وأخيرا يلقى عصا التسيار في دمشق في سنة 1223 م حيث كان أميرها أحد تلاميذه المؤمنين بعلمه ونقائه ويظل بها يؤلف ويعلم ، ويخرج التلاميذ والمريدين يحوطه الهدوء وتحف به السكينة حتى يتوفى بها في 28 ربيع الثاني من سنة 638 ه الموافق 16 نوفمبر من سنة 1240 م . المعرفة العقلية والمعرفة اللدنية منى إمام العارفين محيي الدين بأن يكتب عنه بعض السطحيين الذين فشلوا في حياتهم العلمية فشلا تاما ، فهرعوا إلى مهاجمة العلم والمتعلمين والحملة عليهم في كتاباتهم وأحاديثهم فزعموا أن ذلك الإمام العظيم لم يتلق أي نوع من العلم ، ولا من الثقافة التي كانت منتشرة ، بل مألوفة في عصره ، فجاءه الإلهام وهو صحيفة بيضاء لم ينقش فيها شئ ، من المعارف العقلية . ولو أنه قد تعلم أي شئ من تلك المعارف لعكر ذلك صحيفة نفسه ، ولكان عقبة في طريق العلم اللدني وفي هذا يقول أحد ممثلى أولئك الزاعمين : « ولم يلقن من قبل علما دنيويا يزاحم به ويفاخر ، بل إنه ليرى كما ترى جمهرة أهل التصوف أنّ القلب إذا سلم من النظر الفكري شرعا وعقلا في البداية ، كان قابلا للفتح الإلهى على أكمل ما يكون الفيض والفتح ، فليس في القلب عوائق من معارف سابقة تتصدى للواردات أو تناقضها « 1 » . ولا ريب أن هذه فكرة باطلة من أساسها . وأولى آيات بطلانها نصوص هذا الإمام ذاته وإجماع كل العلماء الأدقاء الذين تناولوا الحديث عنه على أن معارفه الثقافية ، وتبحراته في العلوم العقلية والرياضية واللغوية والأدبية والفقهية ليست موضع جدل أو اختلاف . وهاك نماذج من تلك النصوص على سبيل التمثيل :
--> ( 1 ) انظر ص 20 من كتاب محيي الدين تأليف طه عبد الباقي سرور .